محمد جمال الدين القاسمي
328
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منا ومنكم نفسه ، وأعزة أهله ، وألصقهم بقلبه ، ممن يخاطر الرجل بنفسه لهم ويحارب دونهم ، ويحملهم على المباهلة ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتضرع إلى اللّه تعالى ونجتهد في دعاء اللعنة فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ أي إبعاده وطرده عَلَى الْكاذِبِينَ منا ومنكم ليهلكهم اللّه وينجي الصادقين ، فلا يبقى العناد الباقي عليكم بعد اتفاق الدلائل العقلية والنقلية . تنبيهات : الأول - قال القاشانيّ : إن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد اللّه إياهم به ، وهو المؤثر بإذن اللّه في العالم العنصريّ ، فيكون انفعال العالم العنصريّ منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيئات الواردة عليه ، كالغضب والحزن والفكر في أحوال المعشوق ، وغير ذلك من تحرك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم . وانفعال النفوس البشرية منه كانفعال حواسنا وسائر قوانا من هيئات أرواحنا ، فإذا اتصل نفس قدسيّ به كان تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصاليّ تأثير ما يتصل به ، فتنفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانية منه بما أراد . ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليه السلام بالخوف ، وأحجمت عن المباهلة ، وطلبت الموادعة بقبول الجزية ؟ الثاني - قال ابن كثير : وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة ، فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوّة والإلهية ، فأنزل اللّه صدر هذه السورة ردّا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره ، وكانوا ستين راكبا ، منهم ثلاثة نفر ، إليهم يؤول أمرهم : العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح ، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم : ، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم . وفي القصة أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لما أتاه الخبر من اللّه عز وجل ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه ، دعاهم إلى المباهلة فقالوا : يا أبا القاسم ! دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما نزيد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ، فانصرفوا عنه ، ثم خلوا بالعاقب فقالوا : يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ فقال : واللّه يا معشر النصارى ! لقد عرفتم إن محمدا لنبيّ مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيّا قط ، فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في